محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
10
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
[ سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار 10 ] سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار : الهمم السوابق ، هي : قوى النفس التي تنفعل بها بعض الموجودات بإذن اللّه تعالى ، وتسميها الصوفية « همّة » فيقولون : أحال فلان همّته على أمر ما فانفعل له ذلك ، وهذه الهمم السابقة لا تنفعل الأشياء عنها إلا بالقضاء والقدر ، وهو معنى قولنا بإذن اللّه تعالى : فهي على حال سبقيتها ونفوذها لا تخرق أسواء الأقدار ولا تنفذها . وهذه الهمم قد تكون للأولياء كرامات ، وقد تكون لغيرهم استدراجا ومكرا . كما تكون للعائن « 1 » والساحر . قد ثبت أن العين حق ، والسحر حق ، ومعناه ما ذكرناه . وحاصل ذلك أنه يجب أن يعتقد أنها أسباب لا تأثير لها ولا فاعلية ، وأن الفاعل هو اللّه وحده [ وجد الفعل ] عندها لا بها . وكأن المؤلف رحمه اللّه إنما أورد هذه المسألة بين يدي كلامه في « التدبير » ليعرفك بذلك أن وجود التدبير لا جدوى له ولا فائدة ؛ لأن الهمة الفعّالة إذا لم تفد في خرق أسوار الأقدار شيئا فكيف يفيد في ذلك التدبير ؟ وما لا فائدة فيه فضول لا ينبغي أن يتشاغل به ، ويتعب به ذوو العقول ؛ ولذلك قال : أرح نفسك من التدبير فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك . تدبير الخلق لأمور دنياهم على الوجه الذي نقوله مذموم ، لأن اللّه تعالى قد تكفل لهم بذلك ، وقام به عنهم ، وطلب منهم أن يفرغوا قلوبهم منه ، ويقوموا بحق عبوديته ووظائف تكليفاته فقط ، وهو أن يقدر العبد لنفسه شؤونا يكون عليها من أمر دنياه على ما تقتضيه شهوته وهواه ، ويدبر لها ما يليق بها من أحوال وأعمال ، ويستعد لذلك ويهتم لأجله ، وهذا تعب عظيم استعجله لنفسه ، ولعل أكثر ما يقدره لا يقع ؛ فيخيب ظنه ، ويبطل سعيه ، ثم فيه من ترك العبودية ومضآدة أحكام الربوبية ومنازعة القدر ، وإضاعة العمر ما يحمل العاقل على تركه واجتنابه وقطع مواده وأسبابه ، قال سهل بن عبد اللّه « 2 » رضي اللّه عنه : « ذروا التدبير والاختيار فإنهما يكدران على الناس عيشهم » . قال سيدي أبو الحسن الشاذلي : « إن كان ولا بد من التدبير فدبروا أن لا تدبروا » : وهذه المسألة أساس طريق القوم ، بل هي جملته وكليته ، والكلام فيها طويل
--> ( 1 ) العائن : الذي يصيب بالعين . ( 2 ) سهل بن عبد اللّه بن يونس التستري ( 200 - 283 ه - 815 - 896 م ) أبو محمد أحد أئمة الصوفية وعلمائهم والمتكلمين في علوم الإخلاص والرياضيات وعيون الأفعال . له كتاب في « تفسير القرآن » مختصر وكتاب « رقائق المحبين » وغير ذلك . ( الأعلام 3 / 143 ، وطبقات الشعراني 1 / 66 ، وحلية الأولياء 10 / 189 ، ووفيات الأعيان 2 / 429 - 430 ، وتهذيب الكمال 13 / 330 ، والرسالة القشيرية ص 400 ) .